الأمل الأخضر في رواية “لخضر” للروائية الجزائرية ياسمينة صالح
بقلم: د. عبد الحكيم الزبيدي *
تأتي رواية “لخضر” للكاتبة المتألقة ياسمينة صالح استكمالاً لروايتها السابقة “وطن من زجاج”، فهي ما زالت تصر على حمل هموم الوطن من خلال رواياتها، وتتخذ من فنها وسيلة لإعادة الأمل إلى الوطن الذي مزقته الحرب الأهلية لسنوات. واللافت في هذه الرواية، هو سيطرة الأمل عليها في مستقبل مشرق، يحمل الشباب بشائره، بعد سنوات عجاف من الاقتتال والفوضى. ومنذ الإهداء تطالعك الكاتبة بتفاؤلها إذ تهدي روايتها: “إلى الأمل.. نصدقك مهما يكن”([1]).
وقد استخدمت الكاتبة بذكاء تقنية الاسترجاع (الفلاش باك) لتجعل أحداث الرواية مجرد استرجاع لأحداث مضت وانقضت، بينما بدأت روايتها بالأمل وهو تغير بطل الرواية “لخضر” بعد التقائه بابنه بعد سنوات من الفراق والأحداث الجسام.
وقد برعت الكاتبة في تصوير شخصية “لخضر” بطل الرواية، وتغلغلت إلى دخيلة نفسه، وعرضت لأسباب غرابة شخصيته وشذوذها، حين أرجعتها إلى نشأته البائسة والصدمة العاطفية التي تلقاها في مطلع شبابه من الفتاة التي أحبها ولكنها تركته لفقره وتزوجت ضابطاً. وكان قد نشأ يتيم الأم ولحقت بها شقيقته، وعاش حياته بائساً يعمل حمالاً في الميناء كي ينفق على زوجة أبيه وإخوته من أبيه، دون أن يسمح له والده حتى أن يشتري لنفسه حذاء جديداً بدل حذائه الذي تمزق من طول الاستعمال.
وهكذا تدرج لخضر من حمال في الميناء إلى حارس لمخزن السلاح، ثم وصل بفضل قدرته الفائقة على تلفيق التهم وإلحاق الضرر بالآخرين إلى أن اختير للعمل مخبراً في أمن الدولة. وهكذا بنى لخضر أمجاده عبر تلفيق التهم للأبرياء وكتابة التقارير عنهم، حتى وصل إلى أن يكلف بالقيام بعمليات الاغتيال والتصفيات الجسدية لأشخاص لا ذنب لهم إلا أن المتنفذين والمسيطرين على مقاليد الأمور يريدون التخلص منهم لأنهم يشكلون خطراً على نفوذهم وسيطرتهم.
ورغم رغبة الكاتبة الواضحة في طي صفحة الماضي الدامي وإشاعة روح التسامح بين فرقاء الأمس المتناحرين، ليعود الأمل للوطن لفتح صفحة جديدة والالتفات نحو المستقبل بدلاً من تصفية حساب الماضي، أقول رغم هذه الرغبة الصادقة التي لا غبار عليها من أي وجه من الوجوه، إلا أن إبقاءها على “لخضر” حياً حتى نهاية الرواية دون أن يلقى جزاءه على ما اقترفت يداه من جرائم يندى لها جبين الإنسانية، دون أن تهتز له شعرة، أرى أن هذا أضعف نهاية الرواية، وجعلها غير متسقة مع منطق الأحداث ومع سنن الله في الكون التي تجعل المجرم يلقى جزاءه في الدنيا قبل الآخرة.
لقد كان “لخضر” –كما صورته الرواية- غاية في القسوة وتبلد الحس، يزهق الأرواح بكل بساطة وكأنه يحتسي قدحاً من القهوة. ولم يسلم من أذاه حتى “سي منصور” الذي كان “اليد الوحيدة التي ربتت على كتفه أيام كان وحيداً ومنبوذاً” (ص 271)، ذلك الرجل الوطني الذي كان يتقاسم خبزه مع الفقراء، وكان ابن شهيد، وهو الذي هيأ للخضر فرصة العمل كحارس لمخزن السلاح، فتضاعف راتبه بعد أن كان يعمل حمالاً حقيراً في الميناء، وكانت هذه الوظيفة هي الخطوة الأولى في ترقيه في سلم المجد حتى وصل إلى ما وصل إليه. وكل الذي استطاع أن يقدمه لخضر لسي منصور كرد لجميله نحوه هو أن يخاطب أحد رجاله الذين سينفذون أمر اغتيال سي منصور قائلاً: “لا تستعملوا السلاح الأبيض” (ص 272). وقد “كانت تلك العملية سبباً في ترقية لخضر الذي صار بعد شهر مدير المركز” (ص 272).
إن شخصاً بهذه القسوة والوحشية لا ينبغي أن يكون جزءاً من الأمل القادم، كما صورته الرواية. ولا يكفي أن تجعل الكاتبة ابنه يصاب بطلق ناري من إرهابيين ويرقد في المستشفى بين الحياة والموت، ليكون هذا جزاءً وفاقاً له على أن فجع الكثيرين من الآباء في أبنائهم والأبناء في آبائهم، فيذوق بذلك الكأس التي سقاها للآخرين. وإن كانت الكاتبة قد وفقت توفيقاً كبيراً –في رأيي- في إبقاء نهاية الرواية مفتوحة، حيث انتهت الرواية وحسين –ابن لخضر- راقداً في المستشفى بين الحياة والموت، ولم تبت الرواية في مصيره، ليبقى الأمل مفتوحاً على احتمال نجاته، ولكنه أمل مشوب بقلق وخوف، يتفق مع إهداء الرواية “إلى الأمل .. نصدق نورك مهما يكن”.
وقد بررت بقاء لخضر في منصبه زعيماً للوضع الإصلاحي الجديد بقولها: “في ظرف سنة استطاع أن يوهم الجميع أنه انتصر على العنف الذي كاد يودي بالبلد إلى الهاوية، وأنه منذ تولى منصبه الجديد كجنرال مسؤول تحسنت الظروف الأمنية. استطاع أن يوهم الجميع أنه الأقوى والأصلح للبقاء في السلطة!” (ص 277).
وقد أحسنت الكاتبة إذ جعلت حسيناً رمزاً للأمل القادم في الشباب الجديد الذي سيحمي الوطن، فهو ضابط “يأتي من مكان تعلم فيه أصول العمل العسكري، ولم يأت من دهاليز المراكز السرية التي صنعها أصحابها لترويع البسطاء باسم الأمن القومي” (ص 279)، كما هو الحال بالنسبة للخضر الذي بدأ حياته حمالاً في الميناء ثم التحق بالمراكز السرية وتدرج في المناصب حتى وصل إلى رتبة جنرال بناء على كفايته في العمل السري وبراعته في إشاعة الرعب ونشر الموت. فلخضر قد “استطاع أن يفهم ما يريده الأسياد ليبقوا أسياداً، فبقاؤهم يستحيل دون أن يؤدي لخضر والآخرون العمل الذي عبره يقضون على مستقبل المئات من الأبرياء” (ص 136).
لقد كان لخضر وأمثاله يؤدون دوراً قذراً يهدف إلى زرع بذور الفتنة بين الشباب ليصرفوهم عن المطالبة بالتغيير، “فاليساري يظن أنه يؤدي دوراً والإسلامي يظن الشيء نفسه، لكن لا أحد منهما يعي أنه مجرد أداة بيد النظام. النظام هو الذي يحرك الخيوط يا عزيزي” (ص 214). وهكذا فإن “إبراهيم” الملتحي الذي قتل طالباً يسارياً، تشاجر معه في الجامعة وهرب، لم يكن إلا مخبراً، فعندما ذهب لخضر إلى المركز مساء ليسلم تقريره الجديد: “وجد إبراهيم يرتشف القهوة مع بعض الأشخاص” (ص 204). وهكذا عندما ينفذ لخضر وزملاؤه عمليات الاغتيال، تلصق التهمة بالإرهابيين، كما حدث عند اغتيال الباهي، الصحفي النزيه الذي كان يفضح الفساد في البلد، فبعد خطفه واغتياله أصدرت إحدى الجماعات “بياناً مليئاً بالآيات القرآنية تتبني عملية الاختطاف لتبرر طريقة القتل .. قتل الزنادقة والملحدين! تم العثور على رأسه بعد أسبوع غير بعيد من مقر بيته.. وقد كتب على جبهته بدمه: الله أكبر!” (ص 249). وهكذا تم خلق حالة من الفوضى و”صارت الأمور مأساوية في البلد، وصار الموت لا يفرق بين البسطاء وبين المذنبين، .. ثمة جماعات حقيقية صارت تستغل الفوضى لترتكب الجرائم التي تنشرها الصحف يومياً .. وطالت الاغتيالات النساء، بعضهن عاملات بسيطات قتلن بسبب غطاء الرأس” (ص 251).
ولذا لم يكن مقنعاً –لي على الأقل- أن يتحول لخضر فجأة إلى إنسان يحس ويشعر لمجرد عثوره على ابنه الذي تخلى عنه وتركه مع جديه لأمه بكل نذالة. ولن تقنعنا عبارات من قبيل: “الجميع لاحظ كم صار الجنرال اجتماعياً مع الضباط، يحيطهم بعناية بدت لهم أبوية خالصة” (ص 287)، و”لقد تغير قلبه! هل ينكر أنه تغير فعلاً؟ لقد غيره الحب كما يغير المطر لون الأرض” (ص 300). وحتى لو أمكن أن يتغير فعلاً، فإن تغيره لا يشفع له ما ارتكبه من جرائم: و”فكر أنه تغير فعلاً، وأن تغييره يشفع له كل ما حدث من قبل! فكر أن قلبه لم يعد يصلح للكراهية بعد أن دخله ابنه وفتح شبابيكه على مصراعيها” (ص 305).
ومن الناحية الفنية، أرى أن الكاتبة قد نجحت في تخطي كثير من المآخذ التي شابت عملها السابق (وطن من زجاج)([2])، التي كان البطل فيها غفلاً من الاسم، فهي هنا تختار له اسماً وتجعله عنواناً للرواية كلها “لخضر”. ولا أدري إن كان لهذا الاسم مدلول معين في الثقافة الجزائرية، أما في الفصحى فالاخضرار يرمز للخصب والنماء والخير، جاء في (تاج العروس) مادة (خضر): “والخَضْرَاءُ: الخَيْرُ والسَّعَةُ والنَّعِيم، والشَّجَرَة، والخِصْب… وفُلانٌ أَخْضَر: كَثِيرُ الخَيْر”. وكل هذه الصفات منافية لما عليه “لخضر” بطل الرواية. فإما أن الكاتبة أرادت المفارقة بإطلاق اسم ينافي ما هو عليه من صفات، وإما أنها–وهذا ما نرجحه- أرادت أن تشير به إلى الأمل في المستقبل، فرغم ما هو عليه من صفات الشر، إلا أن الأمل قد خرج من صلبه ممثلاً في ابنه حسين.
ومن المآخذ التي تجاوزتها الكاتبة في هذه الرواية، أنها شرحت الألفاظ العامية القليلة التي استخدمتها، وكانت قد تركت ذلك في رواية (وطن من زجاج)([3]). فمن ذلك قولها: “سيقول الجميع “عاش ما كسب ومات ما خلى” (عاش لم يكسب شيئاً ومات دون أن يترك شيئاً)” (ص 116). وقد يأتي التفسير جزءاً من السرد غير مستقل عنه بأقواس، كما في المثال السابق، ومن ذلك قولها: “علاقة تبدأ ب”كيف حالك” وتنتهي “اتهلى في روحك”، يقولها المدير لكل شاب ناصحاً إياهم بأن يعتنوا بأنفسهم” (ص 145).
وبالإجمال، فالرواية رائعة في بنائها وفي فكرتها، وهي تشي بكاتبة تمتلك أدواتها جيداً، وتحتفظ لنفسها بطابع خاص يميزها من حيث الأسلوب ومن حيث الانشغال بهموم الوطن.
*كاتب وناقد من الإمارات
[1] - ياسمينة صالح: لخضر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2010، ص 7
[2] - انظر مقالنا: وطن من زجاج
خلخلة السائد و معنى الحياة في ” كائنات من غبار ” للروائي المغربي هشام بن الشّاوي
بقلم : فاطمة بن محمود / تونس
“هل يمكن أن نحكم على كتاب من غلافه ؟“.
قطعا، لا.
لا أعرف كيف تدبّر الروائي المغربي الشاب هشام بن الشاوي عنواني الالكتروني ليراسلني.. هو لا يندرج ضمن أصدقائي الكتّاب، الذين أتواصل معهم.. ولا يمت بصلة ما إلى أيّ من أحبتي المغاربة، الذين أحب القراءة لهم.
وصلتني رسالة الكترونية وفيها روايته.. لم ترقني كثيرا فكرة القراءة الالكترونية للكتاب.. أحبّ أن أتنفّس حبر الرواية وأن ألمس الصفحات وأتصفّح الأوراق.. وكأني أداعب الشخوص.. أحبّ أن أثني كل مرة طرف الصفحة وكأني أغمز لأحد رجال القصة أو الرواية.. وكأني أترك علامة أن هنا مرّت بهم امرأة وستعود لهم. لذلك طلبت من الروائي هشام بن الشاوي الرواية ورقيا ووصلتني.. بسرعة.
إلى هنا.. تبدو المسألة عادية جدا.
في تلك الأثناء كنت على معركة على صفحات النتّ مع أحدهم؛ كان لا يرى في الكاتبة سوى امرأة/ جسد يضجّ بالرغبة.. وكان من عادتي دائما ألا أفرض على الكاتب أن يراني كاتبة.. لأنه هكذا سيفعل، أم الرجل الذي يطيل النظر إلى نصفه الأسفل.. كان يجب أن أفرض عليه أن يرفع بصره، و ينظر إلي… باحترام.
في معركتي هذه.. كنت أحسّ أني امرأة جريحة في كبريائها، وأحب من يتعاطف معي.. عندها وصلتني رسالة الكترونية من هشام بن الشاوي يطلب مني أن أتستّر على هذه المعركة.. أن تكون حربا سرية بيني و بين ذاك الرجل البائس، الذي يطيل النظر إلى نصفه الأسفل و.. ثرت.
غضبت من هشام بن الشاوي.
لماذا يريد مني التستر على رجل أهانني؟
أليس في ذلك خذلانا لي ومساندة لعدوي؟
ثم في فورة الغضب.. قلت: لن أقرأ له.
هل كان يكفي أن يقول لي هشام بن الشاوي رأيه عن معركة غير أدبية، لأحكم عليه في مسألة أدبية؟
قطعا، لا.
اهدئي قليلا، يا فاطمة.. تنفسي جيدا..
لو فعلت.. سأتحول عندها من امرأة كاتبة إلى امرأة تقف في شرفتها، لتتلصّص على جاراتها و.. سأكون بائسة، ولن تصلح رفوف الكتب في بيتي إلا أكداسا أصعد عليها لأسترق النظر إلى الرجال المارين في الشارع.
كم سأكون بائسة جدا.. !!
ويحك يا فاطمة !.. أين هي الديمقراطية التي تؤمني بها، والاختلاف الذي تحبينه وحرية الرأي التي تحلمين بها.
إذن، سأقرأ لهشام بن الشاوي، وسأترك روايته تدافع عنه.
إن كانت الرواية مثيرة، ورائعة فستفتك بقلبي وتكتب نفسها بروحي التواقة إلى الجمال، وأرتشف بهاءها، و إن لم ترقني ستكون هناك أكثر من طريقة أنيقة للاعتذار.
قرأت الرواية..
وذهلت..
لم يكن من عادتي أبدا أن أقرأ الرواية دفعة واحدة، ولكن هذا ما حدث مع رواية هشام بن الشاوي “كائنات من غبار”.. قرأتها دفعة واحدة.
لم أستطع أن أتوقف عن بهائها.
لم أستطع أن أردّ أنفاسي.
شربتها دفعة واحدة.. و كان من عادتي أن أرتشف الرواية/القصص قطرة.. قطرة..
كنت أحبّ أن أتملّى الأحداث وأقف عند بعضها.. و أتخيّل ربما سياقا آخر للأحداث أو تعرجات في هندستها.. كنت أحب أن أقف قليلا عند الشخوص، وأتفاعل مع أبطال الرواية فأحبّ هذا.. وأكره ذاك..
و لكن ما حصل أني قرأتها دفعة واحدة، ولم.. أرتوِ.
لم أستطع أن أتوقف لأرتشف قهوتي..
لم أستطع أن أتوقف لأتملى عاشقين يجلسان بحميمية على يساري.
لم أستطع أن أتوقف لأنتبه إلى رجل وحيد يجلس في أقصى فضاء المقهى، ويشغل وقته بالنظر.. إليّ.
لم أستطع أن أتوقف لأسأل صديقتي عبر الهاتف عن القناة، التي ستبث في ذلك المساء فيلم ريشارد جير.. وريشارد جير هذا أنا مفتونة به.. عندما ينظر إليّ – عبر الشاشة – أرتعش، وعندما يلامس امرأة ما في لقطة من فيلمه.. أذوب أنا في مكاني.
كان في الرواية سحرا خاصا يشدّك..
كان في الرواية متعة تخصّها، وتأسرك..
كان من الغبن أن أقرأ مثل هذه الرواية، ولا أكتب عنها.
لذلك كنت بحاجة إلى أن أعيد قراءتها ثانية، لأجد لنفسي مسالك فيها تؤدي إليها..
غلاف الرواية متوسط الحجم، وفيه ترتسم على كامل الصفحة صورة لشمس توشك أن تغرب.. يبدو أن النهار قد انقضى أو يكاد.. لملم أحداثه ويستعدّ للرحيل، وعندها كان الكاتب على ما يبدو أن يجمع أدواته ليبدأ سرده.. كأن الكتابة حكمة عند الروائي هشام بن الشاوي.. كأن الكتابة فعل تأمل للأحداث، ولعله يتناسب وهيقل الذي يعتبر الفلسفة حكمة.. هي كبومة مينرفا، التي لا تظهر إلا حين ينتهي النهار، ويلملم أحداثه أو يكاد.. يتوغل بعيدا، ليترك مكانه لليل.. عندها يبدأ الفيلسوف بالتفكير.
ولأن الشمس تكاد تغيب، كان اللون المنتشر على غلاف الرواية هو البرتقالي، المائل إلى الأصفر الفاقع.. ويكاد في الأطراف يلتقي مع لونه الداكن.. هذا البرتقالي هو لون الحزن والألم والحداد في الثقافة اليابانية.. هل كان الشاوي يريد أن يقول أنه سيكون حزينا جدا في روايته.. كئيبا حدّ الألم .. موجوعا حدّ العظم؟
واللون الأصفر الفاقع يأخذ دلالته في الثقافة الشعبية لبلادي بأنه لون الوقاحة والفجور..
هل هناك علاقة بين الحزن والوقاحة، بين الألم والفجور؟
** تفجير الكتابة و كتابة التفجير :
عندما قرأت الرواية علمت لماذا اختار هشام بن الشاوي هذا العنوان.. إنه، في روايته، يحوّل الكتابة إلى أداة تفجير، ومن هذا المنطلق نجده يوجه قلمه إلى المجتمع.. إلى قيمه البالية وضوابطه المهترئة.. إنه يفجّر المخفي والمسكوت عنه.. إنه يفجّر العلاقات المشبوهة، ويدين أشكال التخلف والجهل.. إنه يفجّر التركيبة الاجتماعية الفاسدة، ويحاكم مسببي الفساد..
يفجّر الكبت الجنسي، وإن كان فرويد يحوّله إلى طاقة إبداع، فإن بن الشاوي يحوّله إلى علاقات شاذة هي اللواط، ونكاح الأتان ومضاجعة المحارم. يفجّر صورة الأم الرائعة ويحوّلها إلى امرأة/ جسد، تبيع اللذة لمن يشتهي.
يفجّر العلاقات الأسرية، التي تنبني على الاحترام والثقة، ويجعلها علاقات مشبوهة، بل آثمة.. عندما يجتمع الإخوة (الأخوال) الثلاثة في حبّ امرأة واحدة، ويعوّض الشاب المكبوت أتان عمّه بزوجة عمّه.
يفجّر صورة الصديق الوفي والشهم، ويحوّله إلى لوطي.. يرخي عينيه في ظلام الغرفة، ويبعث بأنين شهيّ. يفجّر صورة المعلّم/ حارس القيم والأخلاق الفاضلة، ويجعله متحرّشا بالأطفال يفتضّ براءتهم بمداعباته السافرة.
إن الروائي هشام بن الشاوي يجعل من الكتابة عملية تفجير.. عنيفة وحادة، لذلك إثر كل كتابة/ تفجير يتعالى الغبار كثيفا، ويشكّل كائناته أوعناصره.. هذه الشخصيات المتشظّية، المقهورة المسلوبة، البائسة، الحزينة…
بقدر ما أمتعني الروائي هشام بن الشاوي بفعل ضربات المطرقة، على حدّ تعبير نيتشه، والذي يجعلنا نتحدث مع هذا الروائي المغربي عن التفجير الإبداعي، الذي يجعل من المبدع كائنا عضويا يساهم في مواجهة الظلم والقهر ويعرّي أشكال الفساد وينحاز للمقهورين بقدر ما أجده أفسد عليّ يومي.. أربك اطمئناني الزائف، وبعثر يقيني الساذج ببعض المسلّمات، التي أحتاج إليها ليستقيم يومي في واحدة من بلدان الجنوب.. هنا، حتى و إن اتّسعت الأرض تضيق السماء على العصافير، فلا تقدر على التحليق بحرّية.
ذهبت إلى مدينة بنزرت، واحدة من المدن التونسية الجميلة، التي تمددّ جسدها على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، لقضاء عطلتي الصيفية. ذهبت لأخفّف عنّي ضغوطات الحياة، وأحطّ جانبا كل تعبي. لكن حملت معي رواية هشام بن الشاوي “كائنات من غبار “. يبدو أن الذنب.. ذنبي.
لماذا أحمل مثل هذه الرواية، التي كانت بطعم قهوة البن، التي على طاولتي؟ هل، حقا، هذه الرواية المتفجّرة أفسدت عليّ عطلتي؟ لكن، منذ متى كنت أحبّ الكتابات المغلّفة بالأوهام؟
أنا أدرك أنه منذ صباي المكتنز برغباته الممنوعة لا أستلذّ غير القهوة المرّة. منذ أن عشقت الكتابة لا أستلذّ غير الكتابات العنيفة والحادّة والقاتلة..
رحم الله نيتشه.. إن الحقيقة/ الكتابة امرأة لا تحبّ أن تؤخذ إلاّ.. بالقوة.
** بناء المعنى في هندسة الرّواية :
يقسّم الروائي المغربي هشام بن الشاوي روايته ” كائنات من غبار ” إلى وجودين :
- وجود افتراضي : هو عالم الأوهام الجميلة والقيم الزائفة.
- وجود مادي : هو عالم الواقع المعاش.. هو قاع المجتمع.. إنه عالم الفقراء والمسحوقين و المكبوتين..
بين هذين الوجودين يتعارض عالمين :
- الوجود الافتراضي يعكس عالما خياليا يتمثل في تلك الشبكة العنكبوتية وفضاء الانترنت، وكل مواقع التواصل، التي تكون وهمية وزائفة، فهي ليست حقيقية، و إن كانت تدّعيها… هنا تصاغ علاقات وهمية، وتجيش انفعالات الرغبة، والانكسار، والمتعة، والفرح، والأمل واليأس.. وكل هذه المشاعر تنطلق من معطى افتراضي خيالي.
- الوجود المادي يراوح بين ورش البناء و قاع المجتمع.. هنا أو هناك يصوغ الفقر حكايات المهمّشين والمنسيين والمقهورين.. هنا يتعالى الغبار من حولهم بفعل أكوام الرمل والحجارة وأكداس الحاجة والفاقة والرياح التي.. لا ترأف.
يذكّرني هذا إلى حد كبير بذلك التقسيم الأنطولوجي، الذي يقوم به الفيلسوف اليوناني أفلاطون في أمثولة الكهف الشهيرة، فيقسم الوجود إلى وجودين/ عالمين :
- العالم العلوي.. عالم الحقيقية والمثل المطلقة.
- العالم السفلي.. عالم الأوهام والقيم الزائفة.
ولكن.. إذا كان أفلاطون يجعل من العالم المثالي هو الحقيقة والعالم الواقعي هو الزيف، فإن الروائي المغربي هشام بن الشاوي في روايته هذه، يقلب تلك المعادلة، ويجعل من العالم الافتراضي عالم الأوهام، والعالم الواقعي عالم الورش وقاع المجتمع عالم المسحوقين والمنسيين هو العالم الحقيقي.. هنا تنشــأ الحياة وتنتشر الأحلام.. هنا تضطرم الرغبة ويتسرّب المحظور..
هنا تأتي لقمة الخبز مغمّسة بالغبار، وكأس الشاي به مرارة الوقت.
لذلك تناول هشام بن الشاوي.. عالم الانترنات الافتراضي، فقط ليكشف ما يحدث فيه من فجور لغوي.. من مغالطات و تزييف.. من رغبات تأتي مشوّهة، لا تحقق إشباعها الحقيقي، فتعود منتكسة.. لذلك كان بطل الرواية في كل مرة يلجأ إلى عالم الانترنات ليتواصل مع كائناته الافتراضية بالنشر في صفحاته أو التعليق..
إن الروائي هنا يقترب كثيرا من كل واحد فينا إلى حدّ التّماس.. إنه واحد منّا، نحن كائنات الكتابة، الذين نسبح في الشبكة العنكبوتية، ويكون قريبا جدا هذا الشاوي منّا، فيصاب مثلنا بخيبة ما.. عندما نكتشف خاصة أن في عالم الكتابة هناك الكثير من التوحش والفظاعة.. الكثير من النميمة والتباغض.. الكثير من المتموموسين و المتمومسات في عالم الكتابة.. إنهن النساء اللاتي يشعرن بضعف نصوصهن، ربما، فيضفن من بهارات الأنثى ما يرفع من “قيمة” حضورهن الإبداعي، فيلذّ لهن، ربما، مغازلة هذا أو التقرّب من ذاك.. إني أجد الشاوي هنا جريئا وحاسما وصريحا، فيفضح من أسميهن بـ”مومسات الكتابة” و.. لأقلها بطريقة هشام بن الشاوي : ” شراميط الكتابة “.
يبدو أن الروائي المغربي هشام بن الشاوي في روايته يتتبع آثار التمومس في العالم الحسي.. في قاع المجتمع.. إنه ملزم بما، ككاتب يحب القيم النبيلة، بفضح الظواهر التي يراها تدنّس عالم الكتابة.. وتشوّه حقول الإبداع.
الآن، فهمت لماذا تدخّل هشام بن الشاوي في معركتي مع ذلك البائس، الرجل المعقد الذي يترك أوراقه جانبا، ويطيل النظر إلى نصفه الأسفل.. فهمت لماذا طلب مني أن أخفي معركتي تلك.. أن أحلّها بيني وبين ذالك الشاعر البائس.. إنه يحبّ عدم تعكير هذا الفضاء بمعارك تكشف بؤس بعضهم، وتدنّس، ربما، فضاء الكتابة، الذي يفترض نقاءه و صفاءه.
لذلك كانت شخصية الكاتب في رواية هشام بن الشاوي حزينة، خائبة، موجوعة، تجرّ مرارة خيبتها من موقع إلى آخر…
يقوم هشام بن الشاوي في روايته هذه بالكتابة عن الكتابة.. إنها الحلم داخل الحلم، و يبدو أنه يعتقد أن الكاتب هو كائن حالم رهيف، ولكن الكتابة هي فعل تفجير، وخلخلة للسائد.. إنها تسونامي ضد الرداءة والبؤس والتمومس.. لذلك كان هشام بن الشاوي ينتقل في روايته بشخصية أخفّ من الملائكة، حسب تعبير بول نيزان، عندما يتحدث عن الفلاسفة.. وإذا كان بول نيزان يتحدث عن صنف من الفلاسفة ليبرز تساميهم عن الواقع، فإن هشام بن الشاوي يختلف معه، ويتحدث عن الكتّاب ككائنات حالمة، مرهفة، ورقيقة، لكن هذه الكتابة الشرسة والعنيفة تجعلهم يلتزمون بقضايا مجتمعاتهم، بواقع البؤساء.. مهمّتهم خلخلة السائد.
** في مواجهة ثوابت المجتمع : تكسير النمطية :
من أبرز ما أثارني- كامرأة- صورة المرأة في رواية “كائنات من غبار”.. إنه يقدمها امرأة شهوة ورغبة جامحة، إنها امرأة شبقية و إيروسية فاتنة.. انها باختزال : جسد.. جسد يرتعش من الحرارة.. جسد يهتزّ من الشهوة.. جسد لا يراعي كليّا.. ضوابط المجتمع.
يقوم الروائي هشام بن الشاوي بزعزعة الصورة النمطية للمرأة. إنها في عالم الكتابة تستعمل جسدها لتمرير نصوصها الضعيفة والتافهة، وهي في العائلة امرأة تهتك ستر العلاقات الأسرية المحترمة لترتكب الفجور، وبسرعة، ترضى زوجة العم أن تحلّ محلّ أتان العمّ، ليفعل بها الشاب القوي والمكبوت ما يفعله بأتان عمّه.. وهي في المجتمع تستمتع بإثارة الفتنة، وتجد ذاتها فقط في دور الإغراء.. تشغل أطفالها الصغار و خادمتها الشابة لتحصر ثيابها على جسدها الذي يضجّ بمفاتنه.. وهي في الحب امرأة لعوب تقطّع قلب حبيبها، وتستمتع بهجره وتعذيبه.. وفي دور الأمومة تهتك قدسيتها كأمّ، لتكون عشيقة صديق ابنها..
أمرّر بصري على هذه الصور التي يقدمها الروائي هشام بن الشاوي، وأحاول أن أبحث بذاكرتي عن ثقب أرى منه امرأة خارج هذا السرب من النساء، وعبثا… لا أجد.
هل انتصر عليّ الروائي هشام بن الشاوي عندما كرّس هذه الصورة للمرأة، فقدمها في شكل إيروتيكي فجّ؟ ألا يعلم أنّ هناك امرأة، في مكان ما من الأرض، قد تقرأ روايته و تعجب بها، ومن الوجاهة الأخلاقية أن نحافظ، ولو بشكل مبتسر، عن صورة مشرقة لامرأة ما.
و أجد من بؤس القارئ أن أفكر بهذا الشكل.. و أستسمح قرامشي لتنزيل مفهوم المثقف العضوي، الذي يشتغل عليه في الحديث عن الكاتب العضوي، الذي يشتغل عليه والذي لا يكون ممكنا بالحديث عن الصور الجميلة، بل عن تأكيد الصور المشوهة والرديئة والشاذة في المجتمع.
الكاتب بمثابة الجرّاح، والجرّاح لا يعنيه أن يتحدث عن الأعضاء السليمة، بل أن يوجه مشرطه إلى الأعضاء المريضة والمتورّمة.. أن يزيل عنها ما التصق بها من جراثيم و تعفن و دمل و قيح.
كم سيكون بائسا ذلك “المبدع”، الذي سينقل صورة جميلة عن الطبيعة، بإحساس انطباعي ساذج وعفوي: السماء صافية، والأشجار خضراء، والعصافير تزقزق و… ألا يمكن أن يكتفي بأن يلتقط لذلك صورة فوتوغرافية تكون أصدق منه بالضرورة في عكس تلك الصورة؟.. وإذا كانت الأوضاع مستقرة، والبلاد سائرة في طريق النمو، والحياة جميلة.. ألا يليق بالمبدع عندها أن يتخلّص من أوراقه وأقلامه، ويكتفي بأن يكون قارئ نشرة أخبار في واحدة من بلدان الجنوب..
على المبدع أن يبحث له عن منفذ يقول به هذا الجمال، دون أن يحاكي الطبيعة بسذاجة، والروائي المغربي هشام بن الشاوي يقول الجمال، وبقوة .. عندما يتحدث عن الرداءة المنتشرة في المجتمع.. عن الكبت الذي يحرّك شخوصه.. عن الحرمان الذي يتنفسونه.. عن الفقر الذي يلبسهم.. و بقدر ما يغالي في رسم هذه الشخوص الشاذة، و السلبية و الوقحة، بقدر ما يؤكد على مشروعية الجمال و القيم النبيلة..
إنها طريقة المبدع، الذي يدافع عن عالم الخير والجمال.. و مثالية هذا العالم لا تلغيه، بل بقدر ما تكون طوباوية، بقدر ما تعني مشروعيتها في واقع بائس، فجّ، ركيك و غير سوي.
إلى حدّ الآن، أعتقد أني أستمتع بالرداءة المنتشرة بين شخوص الرواية، وحتى أزيد من متعة عطلتي.. خرجت من شقتي، وذهبت في نزهة - وحدي- على كورنيش مدينة بنزرت..
أن أكون وحدي هي طريقتي للتواصل مع أناي..
كان البحر هادئا، و قوارب الصيد تبحث عن لقمة ممكنة، والنوارس تساهم في جمالية المشهد.. ما أمتع الطيران بحرية.. ووجدت نفسي أفكر من جديد في رواية هشام بن الشاوي “كائنات من غبار”، وتحديدا في تلك العلاقة الشاذة بين الصديقين..
كنت أشعر بانشراح، وأنا أرى الزوارق تختال في عرض البحر، وأفواج العشاق تتهادى بتناسق، والأطفال يتتبعون براءتهم هنا وهناك.. كنت سعيدة.. أشعر بخصوصية اللحظة، وأشعر أن هشام بن الشاوي قد ذهب بعيدا في فضح رداءة المجتمع.. قد وظّف كل تقنياته السردية من أجل زعزعة اطمئنان القارئ.. كنت أقرأ الرواية، وأستمتع بوقتي.. كانت الرواية تشدّني بأحداثها الحياتية البسيطة، عندما يقدم فجأة الجملة/ الرجّة التي تفيد شذوذ الصديق مثلا.. هو لم يمهّد إطلاقا لشذوذه.. لم يلمّح أو يصرّح.. كان في سرده عاديا.. كل شيء يوحي بالانتظام، وفجأة، يقدم تلك الجملة التي تزلزل الحدث و ترجّ القارئ : “( …. ) يشاهد عبد الرحيم وهو يخلع قميصه، وإلى جانبه عماد، و قد بدأ يستسلم لإغفاءة لذيذة (…. ) يطفئ المصباح، و يتصاعد أنين خافت…
و يغرق المكان في إظلام تام” (ص87).
أذكر أني قرأت الجملة، ثمّ انتبهت.. كأن الجملة صعقتني، والمفاجأة التي لم أتوقعها.. فقد مثّل عماد، منذ برهة، صورة نمطية للصديق. جاء لزيارة صديقه بعد غياب طويل، وقد أضنته الوحدة، وأتعبته الحياة، فعاد إلى صديقه.. جاء به وفاءه للصداقة واحترامه للعشرة بينهما.. هكذا أوحى لي الرّاوي، ولكن هشام بن الشاوي كان يخفي لي السرّ الرّهيب.. إن ما يجمع الصديقين ليست الصداقة كقيمة أخلاقية وعلاقة إنسانية راقية، و إنما الرغبة الجنسية الشاذة… لم أتوقع هذه الرجّة.. وعدت صفحتين إلى الوراء أعيد القراءة، وأبحث عن بعض التفاصيل، التي قد تخفّف عني وقع المفاجأة.. أن أجد الراوي قد مهّد لهذا الحدث.. وأجد أنّ هشام بن الشاوي- عن عمد- قد جعل قارئه ينساب مع تداعي الأحداث في سرد عادي.. ثم فجأة، يقوم برجّه.
وهي طريقة فنّية تعتمد المخاتلة، وإرباك القارئ لإحداث المفاجأة.. تنجح هذه التقنية الفنية في القصيدة، لكنها تنجح أيضا في الرواية، وتساهم في كسر نمطية السرد، و انسيابية الأحداث.. و تدفع بحركة الرواية إلى .. الأمام.
وفي الحقيقة، أجد هذه التقنية الفنية عند هشام بن الشاوي عندما يكشف لنا عن زوجة العم، التي ترضى في لحظة صاعقة أن تقبل المضاجعة محلّ الأتان.. وأيضا عندما يكشف لنا أن هذه الأم هي عشيقة صديق ابنها..
لا زلت أجلس على الكورنيش، البحر يرسل أمواجه بلا كلل، والنوارس تحلق بمتعة، وأنا أستمتع بوقتي، وأفكر، ربما، في كيفية اقتناص هذا المشهد، وأزجّ به داخل قصيدة.. وأجدني أفكر في عماد، الصديق اللوطي في رواية “كائنات من غبار” لهشام بن الشاوي.
أتذكر جيدا أن الروائي المغربي قد فسّر بعد تلك الرجّة الأسباب النفسية والعائلية والاجتماعية، التي دفعت بعماد إلى هذا السلوك.. فهل يبرّر شذوذ هذه الشخصية من خلال أمه الماجنة، التي لم تحسن تربيته، أبيه الذي لا يعرفه.. معلّمه الذي تحرّش به.. أصدقائه الذين أحبّوا فيه رغبتهم المكبوته المحرقة.. وأنتبه إلى أم تصرخ في طفلها، وتمنعه من الاقتراب أكثر من أمواج الشاطئ و.. أشعر بتعاطف مع عماد.. لم تكن أمه تخاف عليه من أمواج الحياة .. من غدر الدنيا.. من تعرجات الطبيعة.. و أرى الأم التي كانت تصرخ في طفلها تحضنه، وتذهب به إلى بائع “القطانية”، الذي يجرّ عربته ببطء، و.. أتألم أنا.. لعماد.
هل هكذا تفعل فيّ شخوص الرواية، كأنها لم تعد رواية.. بالنسبة لي؟
هل يتعاطف هشام بن الشاوي مع عماد مثلي؟
أعتقد أن الأمر يختلف بيني كقارئة، وبين هشام بن الشاوي كروائي.
رغم أن هشام بن الشاوي يحمّل ماضي عماد ما انتهى إليه من شذوذ، يحمّل أمه نصيبا من عذابه، ومعلّمه الذي أفسد عليه طفولته، ورفاقه الذين استغلوا هشاشته إلاّ أني أجد الروائي هشام بن الشاوي يرفض كليا هذا الشذوذ.. يكفي أن نجد في أسلوبه السردي المفاجئ طريقة للقول أن حدثا رهيبا شائنا، هنا، لا يصحّ.. ثم لننظر قليلا في التقنية السردية التي استعملها الروائي لنقل وضعية الشذوذ تلك :
” لقطة بانورامية من فوق.. يشاهد عبد الرحيم وهو يخلع قميصه، و إلى جانبه عماد، وقد بدأ يستسلم لإغفاءة لذيذة..” ( ص 87 ).
في تقنية التصوير السينمائي، إذا كانت الصورة تلتقط من الأسفل في اتجاه الفوق تعني عملقة الشخصية، أو تعظيم الحدث للتدليل على القوة والجبروت والعظمة.. وإن كانت الصورة تلتقط من فوق موجهة إلى الأسفل تعني تقزيم الشخصية، وتضئيل الحدث.. إنها تدليل على الضياع، والتشتت وتفريغ الموضوع من كلّيته وقيمته.
لذلك نجد الروائي هشام بن الشاوي، وللمرّة الوحيدة في روايته “كائنات من غبار”، يحدّد موقع عينه الساردة، تطلّ على الحدث من فوق، كأنه أحدث ثقبا في سقف الغرفة، “بعد أن أسدل (عبد الرحيم) ستارة النافذة.. بعد أن أحكم إغلاق باب حجرته.. يطفئ المصباح …” (ص 87 ). لم يعد لهشام بن الشاوي من فرصة سوى التسلل إلى الحدث من ثقب افتراضي في سطح الغرفة، يطلّ منه بقلمه التي تتحوّل إلى كاميرا تلتقط مشهد الشذوذ الذي يجمع عبد الرحيم وصديقه عماد.
وأجد في اعتماد هشام بن الشاوي هذه التقنية التصويرية موقفا قيميا من الحدث، إنه يقزّم شخوصه في هذا المشهد، ويتفّه فعل الشذوذ، ويشتّت حركة الجسد.. فيختزله إلى مجرد أنين خافت، بما في الأنين من شعور بالضعف والعجز.. والمرض.
ألم أقل - أعلاه- أن دور الكاتب تمجيد القيم النبيلة، دون السقوط في المباشرتية، و مواجهة الرداءة دون أن يفقد جمالية الأسلوب و دهشة الكتابة.
** خصوصية الأسلوب و جمالية الكتابة :
في روايته ” كائنات من غبار ” يختار هشام بن الشاوي أسلوبا غير سائد في الكتابة. يتخلص الكاتب من الأسلوب السردي المألوف، ويقذف بنفسه داخل الرواية، فيكون المتكلم الذي يتمثّل لي كل مرّة أحد الشخوص، ويحاول أن ينفذ التركيبة النفسية و الذهنية له.. ويتحدث عنها، وكأنه الآخر..
يبدو هنا هشام بن الشاوي قد اختار أسلوبا أجده عصيّا في روايته، ربما يريد أن يقنع المتلقي بمهارته.. يريد أن يلفت انتباهه إلى أنه روائي خارج سرب جيله. أجد المعجزة الروائية حنا مينه ينوّع في أساليبه، بعد أن سار طويلا في درب الكتابة الروائية العريقة، ولكن المغربي هشام بن الشاوي يريد أن يجرّب الصعب.. يريد أن يبدأ عكس السائد و المعتاد.. وحسب رأيي أجده قد وفّق إلى أبعد حدّ ..
في هذا الأسلوب في الكتابة.. قدّم الشاوي نفسه، وكأنه إله شخوصه.. خلقها كما يحبّ.. و يحرّكها كما يريد.. لذلك لم أشعر على امتداد الرواية أن أحد الشخوص قد تمرّد عليه، أو أن الأحداث قد انفلت من بين أصابعه..
في هذا الأسلوب في الكتابة قدّم الشاوي نفسه، وكأنه الضمير الخفي الساكن في كل شخصية. يقول الفيلسوف الاجتماعي دوركايم : “عندما نصمت يتكلّم الضمير فينا”. هكذا كان حال الشخوص في الرواية.. تحب و تكره، تستبدّ بها الشهوة و يهدّها الحرمان.. يضنيها الفقر وتعذّبها الأحلام.. وهكذا اختار هشام بن الشاوي أن يكون الضمير، الذي ينفذ في تلك الشخوص، ويجوس في التركيبة النفسية والذهنية لها.. محترما تلك المسافة الفاصلة بينه ككاتب، وبين شخوص هي كائنات بشرية تعبّر عن نفسها كشرائح اجتماعية مختلفة، فلم ألحظ أنه يتدخل في شخصية بشكل يتناقض وبنيتها، أو يتدخل في أحداث بطريقة سافرة فيجعلها مركّبة.. كانت الشخوص متناسقة مع ذاتها، والأحداث منسابة في تمشّيها..
وأعود لسؤالي: هل أفسد عليّ هشام بن الشاوي في روايته ” كائنات من غبار” عطلتي؟
بعد أن أنهيت القراءة الثانية للرواية، وحدّدت أهمّ الأفكار، التي سأشتغل عليها في مقاربتي.. أجد ذلك السؤال سيئ الطرح، كما يقول هايدقار، وأرى أن تتغيّر صيغة السؤال كما يلي: هل لهشام بن الشاوي رواية أخرى غير هذه؟ هل تراها ستكون بمثل هذا الجمال و تصنع المتعة لقرائها؟
أجد الروائي هشام بن الشاوي قد كان في تمام الإبداع في روايته هذه، و إن لم أتطرق إلاّ لبعض أبعادها، وهو لم يصعّد النسق على أبناء جيله فقط، بل رفّع النسق على نفسه أيضا.. لقد صعّب على نفسه كثيرا العمل الأدبي، الذي سيلي ” كائنات من غبار”.
مثل هذا السؤال لا تعنيني إجابته إطلاقا.
في هذه اللحظة، يرنّ التليفون، وإذا بصديقتي تهتف : “هل رأيت كم كان ريتشارد جير فاتنا ورائعا في فيلمه الذي .. انتهى الآن ؟”.
و صعقت…
رواية هشام بن الشاوي لم تفسد عطلتي.. بل فوّتت عليّ فيلم لممثل أنـــا أعــــــــــــــــشــــــــــــــــــقــــــــــــه….
رجاء، لا تقولوا هذا.. لزوجي.

“دفتر سراييفو” لخوان غويتيسولو
كاتب إسباني يفضح مؤامرة الصمت وتهافت المثقفين
هشام بنشاوي
أثار رفض خوان غويتيسولو لإحدى الجوائز العربية حنق بعض المثقفين، المتهافتين.. ممن تخلوا عن دورهم الطليعي التنويري الحضاري، واختاروا بيع ضمائرهم، ولعب دور النديم المهرج للسلطان، فأينما وليت وجهك تجدهم بجانب ولي النعمة، دون أدنى إحساس بالذنب أو تأنيب الضمير.. لتغاضيهم عن معاناة بني جلدتهم من الشعوب العربية المقهورة.
وقد يتساءل البعض : أليس غريبا أن ينتصر كاتب إسباني للشعوب المسحوقة، فيما نخبتها “تنام في العسل” أم هي مجرد عنترية جوفاء، كما يفعل كتابنا العرب الميامين؟
كلا، لقد سبق أن ساند من قبل المسلمين، مخاطراً بحياته، وقام بما لم يقم به سائر مثقفي العالم العربي والإسلامي وكتابه ومبدعيه وفنانيه…
إنني ممتن لموقف الكاتب الإسباني، الذي دفعني إلى قراءة كتاب قديم له، كنت قد اشتريته - منذ مدة- من بين الكتب المستعملة من عند كتبي عجوز يفترش رصيفا.. وضعت الكتاب جانبا، وانشغلت بقراءة الروايات والكتابة عنها، و أبرر- الآن …هنا- إهمالي له بأنه ليس كتابا إبداعيا.
أتذكر جيدا أني سبق وقرأت عن محنة شعب البوسنة والهرسك، قبل أكثر من عقدين. أتذكر تلك اللحظة جيدا، وكأنني أتصفح ذلك العدد من تلك المجلة الإسلامية الآن، وكنت -يومها- دون سن العشرين.
من أجل الأجيال التي لم تعاصر تلك المذبحة، ومن أجل الأجيال القادمة نقدم هذا العرض.
كما جاء في مقدمة مترجم الكتاب، الصادر عن دار الفنك المغربية (1994م)، الدكتور طلعت شاهين ، يعتبر خوان غويتيسولو من القليلين الذين أصدروا بيانات ضد النازية الجديدة في البوسنة والهرسك، والتي تحاول القضاء على آخر شعب مسلم في أوربا، وقد خاطر الكاتب بالسفر إلى سراييفو، حيث قضى أسبوعا كاملا، عايش خلاله الموت الذي يحيط بالمدينة في كل لحظة، فكان نتاج هذه الرحلة مجموعة مقالات سماها “دفتر سراييفو”. وللكاتب حساسيته المميزة اتجاه القضايا الإنسانية العادلة بشكل عام، والعربية الإسلامية بشكل خاص، وفي حواره مع المترجم صرح غويتيسولو بأنه حاول أن يظل محافظا على احترامه لنفسه، فقد كان يشعر بالغثيان من قراءة ما يحدث هناك يوميا، وبعد مرور أكثر من سبعة عشر شهرًا لم يعد يقبل هذا الدور دون أن يكون طرفا مباشرا فيه، لكنه يعتقد أن الكتابة وحدها لا تكفي.
في طريق الرحلة يثير انتباهه مجموعة من السياح، فيتذكر ما قرأ في الصحف، عن شركات سياحية إيطالية تعلن عن رحلات خاصة للسياح المتعطشين إلى الاستمتاع بمشاهد خارقة للعادة، حيث يجوبون المناطق التي دمرتها الحرب حديثا في مختلف انحاء العالم، فيستنشقون رائحة البارود، ويتجولون في القرى المدمرة، ويشاهدون الأجساد المتحللة والمقابر الجماعية التي لا يكاد يغطيها التراب وأكوام الجثث المصطفة، ويخمن أنهم في طريقهم إلى البوسنة، ويتساءل هل يذهبون لالتقاط صور فوتوغرافية للنساء والأطفال المكدسين في قطارات النفي أم لتصوير البيوت المحترقة والأجساد المتفحمة والمساجد المدمرة أو تلك الفتاة المسلمة التي رسموا على ذراعها الصليب بسكين حاد أو تلك المرأة الباكية أمام كاميرات التلفزيون، وهي تقص حادث اغتصابها المكرر على أيدي جيرانها، وتبول طفل أحدهم على وجهها وهم يمسكونها بأيديهم، وكل جريمتها أن زوجها هرب ولم يدافع عن قضيتهم المباركة، وتعاون مع “المتطرفين المسلمين”.
لحسن الحظ أن الحقيقة كانت بخلاف ذلك، لكن الكاتب يستغرب كيف يستمع أولئك السياح بجمال الشاطئ الدلماسي (اليوغوسلافي)، ويتجاهلون ما يحدث على بعد مائة كلم. في الطريق إلى الفندق يسأل سائق التاكسي أين يمكنه مقابلة المهجرين من البوسنة والهرسك، ممن يستطيع الحديث معهم باللغة الإيطالية، يعرف أنهم يقيمون في نفس الفندق، ولا يخفي السائق عنصريته اتجاه المسلمين قائلا : “هذه مدينة نظيفة، وجودهم هنا يسبب لنا هروب الزبائن. نحن لا نريدهم هنا في سيليت”.
- إلى أين تريدهم أن يذهبوا؟
- إلى تركيا أو ليبيا. عن نفسي أقول لك فليذهبوا إلى الجحيم.”
أمّا نشرة الأخبار الكرواتية، فهي مكرسة للأنشطة والخطب واللقاءات اليومية للرئيس العبقري توجمان. وفي دليل مصور قديم للعاصمة (ما قبل الحرب) يقرأ تحته “إذا سافرت نهارا، ستعثر على مدينة شرقية تشبه تلك التي توجد فقط في الأساطير وستذهل وأنت تخترق طرقها الواسعة ذات العمارات الحديثة البراقة أو على الطراز النمساوي في القرن التاسع عشر”. بيد أنها لم تعد سوى ساحة من الدمار، مليئة بالجراح والأوصال الممزقة، والمباني والشوارع اختفت بالكامل من الوجود، والناس قابعون في مخابئهم… ويشبه الكاتب العيش في سراييفو بأنها حياة في مصيدة الفئران، تجبرهم على تجنب أماكن الخطر ومعرفة الأماكن التي يمكن التنزه فيها، دون خطورة كبيرة ومعرفة حتى الزوايا والتقاطعات المفضلة لدى القناصة، وأبسط خطأ أو غفلة في اختيارات الطريق يؤدي إلى النهاية المشؤومة، مع أن الجميع مضطرون للخروج بحثا عن الماء والطعام ومواد التدفئة، ويتعايش السكان مع مشاهد الإبادة اليومية والإحساس العام بالخيانة، ولا يتوانى الكاتب في وصف كل ما يحدث في البوسنة وسراييفو من عمليات قتل وتدمير ومذابح-أو ما يسمى بالتطهير العرقي- يجري بلا رادع !!.
في أحد المستشفيات والذي لم يسلم بدوره من القصف، وأغلب المصابين في المستشفى مبتوري السيقان أو مقطوعي الأيدي، وفي غرفة واحدة يتواجد مصاب كرواتي رفقة صربي و مسلم، يعيشون ثلاثهم كأشقاء، يصرح له الكرواتي بأن “الشكناز يريدون زرع الكراهية في قلوبهم”، وفي جناح الأطفال يحس غويتيسولو باستحالة الوقوف إلى جوار طفلة صغيرة تتدلى عضلة ساقها الممزقة في دلو ماء… وفي المقبرة تتوجه كل الشواهد المسيحية والإسلامية، بجميع طوائفها، باتجاه القبلة، فوحده الموت يوحد بين المؤمنين من ديانات أهل الكتاب.. ضحايا الوحشية نفسها، ويقترح أن تضم المقبرة شاهدا آخر تكتب عليه :“هنا ترقد كرامة المجموعة الأوربية ومصداقية منظمة الأمم المتحدة المقتولتان في سراييفو. لقد ذهبتا ضحيتي جبن مفاوضيهم وزعمائهم النموذجي ووقاحتهم”، ولا يتردد في أن يعلن أن تلك القرارات و الاتفاقيات بقيت مجمدة في الأدراج، لأن المصالح الحيوية لتلك القوى لا تتعرض للخطر.
إن السيد رادوفان كاراديتش الذي يتخفى خلف مظهر شاعر حالم يتظاهر بجهله التام بتعبير “التطهير العرقي”، ويضمنه ببلاهة في إجاباته على الصحافيين، فيرد مستنكرا :“مذابح وغرف غاز ومعسكرات قتل؟ إنها من صنع خيال المجاهدين، والمتطرفين المسلمين الذين يحاولن السيطرة على أوربا !“، فهو يلعب مع ميلوزفيتش وسيسليج دور الضحايا لمؤامرة فاتيكانية-إسلامية-ألمانية، وهم يقاومون كل المؤامرات بفضل مساعدات الروس واليونانيين، فضلا عن حماية “سانا سافا” ضامن النصر النهائي للشعب السماوي المختار، الذي تتغنى به الأغاني الشعبية الصربية.
في مأوى للاجئين، قابل الزوجين ياسمينكا وايساك- وعلى الجدار علقت مسابح وشعار البوسنة والهرسك- وضحا له أن”الشكناز ينفذون الأوامر كالآلات المبرمجة تماما (…)، وأكثرهم مرتزقة من روسيا و أوكرانيا أو من المجرمين الذين أطلقهم ميلوزفتش من السجون. يريدون أن يزرعوا الكراهية بيننا، لكنهم لن يتمكنوا من ذلك، سنعود لنعيش معا في يوم من الأيام… ففي الجانب الآخر من الشارع توجد عائلات صربية، يساعد كل منهم الآخر، ويهبطون المخابئ معهم… “نحن لا ننسنى، لكننا نعفو”.
إنها سراييفوا… وهكذا كانت.
أما الأرملة”ابزيا” فتسرد كيف أن قوات النسور البيض قام أفرادها بغرز مكلاب جزار في فم جارها المسلم ووثقوا يديه ثم ربطوه إلى خلفية سيارة وسحلوه، ليراه كل الناس ثم ذبحوه، ولعبوا برأسه كرة القدم، وبعدها رموا أشلاءه في النهر، وأجبروها على وضع فوهة مسدس في فم ابنها وينهالون عليها ضربا بأيدهم وأرجلهم لتطلق الرصاصة، وحين يئسوا غادروا، لكنها فقدت النطق ثمانية أيام… لم تستطع خلالها النطق بأي حرف.
بينما المسلمون اللاجئون إلى قراشده، فقد حشروا داخل مسجد قديم، أضرموا فيه النار، ولم تنس صرخاتهم المرعبة ورائحة اللحم المحترق، وعن إمكانية العيش مع صرب القرية من جديد، ترد بأنه من الصعب أن تعود للعيش إلى جوار الرجل الذي أرشدهم إليهم.
يسمى الكاتب قصف معهد الدراسات الشرقية، بمكتبته الشهيرة، حيث احترقت محتوياتها الثقافية الثمينة بـ”اغتيال الذاكرة”، يرمي إلى إزالة أي أثر إسلامي من أرض صربيا الكبرى، وأولها المكتبة التي تمثل ذاكرة الشعب البوسني المسلم. نائب رئيس الجمعية الإنسانية للثقافة والتعليم اليهودي يتأسف لأن لا أحد يزور البوسنة منذ استقلالها ومنهم اسبانيا التي لا ترسل سوى الضباط وقادة الجيش،”إنه لمن المخجل أن تتجاهلنا إسبانيا ولا تقيم علاقات مع البوسنة “، ويرى بأن العلاقات بين الطوائف الدينية في البوسنة كانت طيبة جدا. وكانوا يطلقون على سراييفو اسم “أورشليم الصغرى”، والمعونات فهي “صدقة مهينة” بتعبيره… فهم يرسلون إليهم الحثالة وما لا يصلح للبيع من ملابس وأطعمة محفوظة، وأولئك المتوحشون يطلقون عليهم النار دون تمييز، لأنهم يعيشون معا، ويعتبر الحديث عن التهديد الإسلامي “فرية من أكاذيب ميلوزفيتش، فالمتطرفون الحقيقيون هو وعصابته”.
ويعتبر الكاتب وجود قوات القبعات الزرق بدورها المحدود إنها تحولت إلى متفرج ثم إلى مشارك أخرس للمعتدي، والرافضون للتدخل العسكري يستخدمون الإعانات الدولية كسلاح يحرم المحاصرين في سراييفو من حقهم الشرعي في الدفاع عن النفس، بينما كلينتون يلقي بصواريخه على العراق، وهو ما قوبل بالتفهم من جانب وزارات الخارجية الغربية.. ولا أحد يدين القناصة الذين يقطفون أرواح النساء والأطفال، لأن المنطقة التي تجري فيها هذه الأحداث، لا تدخل في مناطق “المصالح الحيوية” للولايات المتحدة والمجموعة الأوربية، وقيمة الإنسان البوسني أقل من قيمة برميل البترول الخام، وبهذه الطريقة- بتعبير الكاتب- يكفر المسلمون وغيرهم من الأوفياء لحكومة سراييفو عن جريمتهم الوحيدة.. انتمائهم لدولة لا تملك حقولا للنفط.
إن المتطرفين الصرب يطلقون صرخات التحذير من “المتطرفين المسلمين” الذين توجههم إيران، هكذا تصير حرب التطهير العرقي حربا صليبية جديدة ويتم إحياء الصراع الأوربي القديم ضد المسلمين ومحاولاتهم إقامة “خلافة إسلامية في البلقان”، وهي حرب إعلامية أيضا، فتلفزيون الصرب واليونان، يحذران من الخطر التركي… حيث يبث تلفزيون بلغراد وصلة غنائية فيها فتاة بزي فلكلوري صربي تنحني بإثارة لتقبل مدفعا يقصف مسلمي/أتراك البوسنة.
رئيس أئمة البوسنة يؤكد أن الحكومات الأوربية بدل مساعدتهم وقفت تتفرج عليهم وتسمح بإبادتهم، ناكرين حقهم المشروع في الدفاع عن النفس، ويتساءل بما تفيدهم المساعدات الإنسانية إن كانوا يتركونهم يذبحونهم، وعن التهديد الإسلامي ردّ بأنها فكرة يشيعها الصرب فقط، وهناك أكثر من سياسي غربي يعد استراتيجيته الخاصة لمواجهتها. فالشكناز يريدون محو الإسلام من منطقة البلقان.
قبل الرحيل يعترف الكاتب أن مبادرته والكاتبة الأمريكية سوسن سونتاغ لجذب كتاب من ذوي الأسماء الرنانة إلى سراييفو باءت بالفشل، والمسألة ليست سوى مقت للإسلام، بينما المثقفون البوسنيون الذين ظلوا في سراييفو يسألون زملاءهم بإلحاح :“لماذا كل هذا الجبن وكل هذا الصمت؟”. ويقر الكاتب أن لا أحد يخرج من جحيم سراييفو سالما، فمأساة المدينة تحول قلب وجسد من يشاهدها إلى قنبلة على أهبة الانفجار في مناطق الأمن المعنوي للمذنبين بشكل مباشر أو غير مباشر، وهذا الانفجار هو الذي يسبب أقصى الخسائر.