Archive pour mars 2009

Mercredi 25 mars 2009

الخروج عن الشرعية
و البطلان الدستورى لإتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية

بقلم / محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

المعركة ضد كامب ديفيد مستمرة .
وكنا قد تناولنا من قبل بطلانها بموجب احكام القانون الدولى .
وفى هذه الجولة سنتناول الاتفاقية ونقيمها على ضوء مواد ونصوص الدستور المصرى .
وسنكتشف معا ان اتفاقيات السلام المصرية الاسرائيلية تخالف وتناقض عدد كبير من مواد الدستور فى ثلاثة مسائل رئيسية :
§ السيادة
§ الانتماء الى الامة العربية
§ الشريعة الاسلامية .
وسنقوم بتناول كل محور بالتفصيل

اولاــ السيادة : ( خمسة مخالفات دستورية )

1) مصدر السيادة الوطنية على سيناء :

لم يعد مصدر السيادة المصرية الحالية على سيناء ، هو حقنا التاريخى فيها بصفتها جزء من اراضى الوطن .
وانما مصدر السيادة الحالية وسندها هو اتفاقية السلام ، فلقد اصبحت سيادتنا عليها مشروطة بالتزامنا باحكام الاتفاقية .
فان رغبنا فى انهاء الاتفاقية والخروج منها ، تستطيع اسرائيل اعادة احتلالها بحجة ان انسحابها كان مشروطا بالاعتراف بها والسلام والتطبيع معها .
و هو ما يمثل فى الحقيقة أخطر آثار كامب ديفيد .
اذ تنص المادة الاولى من الاتفاقية فى فقرتها الثالثة على :
” عند إتمام الإنسحاب المرحلى المنصوص عليه فى الملحق الأول ، يقيم الطرفان علاقات طبيعية وودية “
وهو ما يعتبر مخالفة صريحة للمادة الثالثة فى الدستور التى تقر حق السيادة للشعب بدون قيد او شرط فتنص على :
” السيادة للشعب وحده ، وهو مصدر السلطات ، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها .. “

2) السيادة العسكرية والدفاع عن الوطن وسلامة اراضيه :

تنص الاتفاقية فى الفقرة الاولى من المادة الرابعة على :

” بغية توفير الحد الأقصى للأمن لكلا الطرفين وذلك على أساس التبادل تقام ترتيبات أمن متفق عليها بما فى ذلك مناطق محدودة التسليح فى الأراضى المصرية والإسرائيلية وقوات أمم متحدة ومراقبون من الأمم المتحدة . وهذه الترتيبات موضحة تفصيلا من حيث الطبيعة والتوقيت فى الملحق الأول ، وكذلك أية ترتيبات أمن أخرى قد يتفق عليها الطرفان . “

وهى الترتيبات التى انتهت الى نزع سلاح ثلثى سيناء المجاور لفلسطين ، وتقييد عدد القوات المصرية فى الثلث الباقى ، ومنع انشاء اى مطارات او موانى عسكرية مصرية فيها .
الامر الذى يحرم مصر من الدفاع عن سيناء ، فيما لو قررت اسرائيل اعادة احتلالها مرة اخرى كما حدث فى عامى 1956 و1967
وهو ما يمثل انتقاصا كبيرا من سيادتنا العسكرية على كامل الاراضى المصرية ، ويهدد امن و سلامة اراضى الوطن ، و من ثم يناقض المواد التالية من الدستور :

§ مادة 58 : ” الدفاع عن الوطن وأرضه واجب مقدس ..”
§ مادة 79 : ” يؤدى الرئيس أمام مجلس الشعب قبل أن يباشر مهام منصبه اليمين الآتية: أقسم بالله العظيم .. أن أحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه “.
§ مادة 180 : ” الدولة وحدها هى التى تنشئ القوات المسلحة وهى ملك للشعب مهمتها حماية البلاد وسلامة أراضيها وأمنها ..”

3) السيادة المصرية فى اخراج القوات الاجنبية من ارض الوطن :

نصت المادة الرابعة من الاتفاقية فى فقرتها الثانية :
” يتفق الطرفان على تمركز أفراد الأمم المتحدة فى المناطق الموضحة بالملحق الأول ويتفق الطرفان على ألا يطلبا سحب هؤلاء الأفراد ، وعلى ان سحب هؤلاء الأفراد لن يتم إلا بموافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بما فى ذلك التصويت الإيجابى للأعضاء الخمسة الدائمين بالمجلس وذلك مالم يتفق الطرفان على خلاف ذلك ” .
وهو ما يعنى ان ليس لمصر الحق فى المطالبة بسحب هذه القوات الا بعد موافقة اعضاء مجلس الامن الدائمين مجتمعين ، وهو ما يعنى انه ليس لمصر السيادة على قرار وجود هذه القوات على الارض المصرية .
هذا مع العلم بان هذه القوات لم تعد قوات للامم المتحدة ، وانما قوات متعددة جنسية تحت ادارة امريكية وباغلبية تشكيل امريكية .

4) السيادة المصرية فى توقيع المعاهدات :

تنص المادة السادسة من الاتفاقية فى فقرتيها الرابعة والخامسة على ما يلى :
§ ” يتعهد الطرفان بعدم الدخول فى أى إلتزام يتعارض مع هذه المعاهدة . “
§ ” مع مراعاة المادة 103من ميثاق الأمم المتحدة ، يقر الطرفان بأنه فى حالة وجود تناقض بين التزامات الأطراف بموجب هذه المعاهدة وأى من التزاماتهما الأخرى فإن الالتزامات الناشئة عن هذه المعاهدة تكون ملزمة ونافذة . “
وهو ما يخالف حق السيادة المطلقة الوارد فى المادة الثالثة من الدستور والسابق الاشارة اليها ، والذى يعطى لمصر الحق فى توقيع الاتفاقيات واقامة العلاقات التى تتناسب مع مصالحها بصرف النظر عن اى طرف آخر .
مع العلم بان هذا النص فى الاتفاقية قد وضع خصيصا لمواجهة العلاقات المصرية العربية خاصة اتفاقية الدفاع العربى المشترك .

5) السيادة المصرية فى انهاء اى علاقة مع اى دولة :

نصت الفقرة الثالثة من المادة الثالثة من الاتفاقية على :
” يتفق الطرفان على أن العلاقات الطبيعية التى ستقام بينهما ستتضمن الإعتراف الكامل والعلاقات الدبلوماسية والإقتصادية والثقافية وإنهاء المقاطعة والحواجز ذات الطابع التمييزى المفروضة ضد حرية إنتقال الأفراد والسلع “
مما ترتب عليه ان تكون العلاقات المصرية الاسرائيلية فى كل المجالات المذكورة ، هى علاقات الزامية و اجبارية لمصر ، فهى جزء لا يتجزأ من الاتفاقية . فالتزام اسرائيل ببنود الاتفاقية مثل عدم العدوان على الاراضى المصرية على سبيل المثل مرهون بالتزام مصر باقامة هذه العلاقات والاستمرار فيها .
وحتى لا تترك لنا الولايات المتحدة حرية تفسير النصوص ، فانها قد قامت بالنص صراحة على هذا المعنى فى مذكرة التفاهم الامريكية الاسرائيلية الموقعة فى 25 مارس 1979 ، والتى نصت على حق الولايات المتحد فى التدخل عسكريا ، وحقها فى دعم اسرائيل فيما تتخذه من تدابير ضدنا ، ان نحن قمنا بانتهاك احكام المعاهدة او التهديد بانتهاكها بما فى ذلك الاجراءات العسكرية او الاقتصادية او الدبلوماسية .
اذن علاقتنا مع اسرائيل بموجب الاتفاقية هى علاقات الزامية فوق طبيعية ، اذ انها تجردنا من حق ممارسة سيادتنا فى اقامة او قطع العلاقات بما يتوافق مع مصالحنا الوطنية .
وهو ما يخالف مادة السيادة بالدستور ، وهى المادة الثالثة سالفة الذكر .

* * *

ثانيا ــ انتماء مصر العربى

تضمن نص المادة الثالثة من الاتفاقية ما يلى :
§ ” يقر الطرفان ويحترم كل منهما سيادة الآخر وسلامة أراضيه واستقلاله السياسى “.
§ ” يقر الطرفان ويحترم كل منهما حق الآخر فى أن يعيش فى سلام داخل حدوده الآمنة والمعترف بها .”
§ ” يتفق الطرفان على أن العلاقات الطبيعية التى ستقام بينهما ستتضمن الإعتراف الكامل .. “

وتخالف النصوص السابقة الفقرة الثانية من الدستور المصرى التى تنص على :
” .. الشعب المصرى جزء من الأمة العربية يعمل على تحقيق وحدتها الشاملة “.
حيث ان الاعتراف باسرائيل هو تنازل عن جزء من ارض الامة العربية هو فلسطين 1948 ، الى المغتصب المحتل الذى ليس له اى حقوق تاريخية او قومية فى هذه الارض .
بل ان الصراع ضده منذ قرن من الزمان يدور حول ملكية هذه الارض . هو يدعى زورا وبهتانا انها تخصه ، ونحن نقاتل من اجلها لانها ارضنا ، لم نغادرها ابدا منذ 14 قرن .
الاعتراف اذن ، هو انحياز الى وجهة نظر العدو فى صراعنا معه ، بالمخالفة للحقائق التاريخية ولنصوص الدستور المصرى .

* * *

ثالثا ــ الشريعة الاسلامية

تنص المادة الثالثة من الاتفاقية فى فقرتها الثانية على :
” يتعهد كل طرف بأن يكفل عدم صدور فعل من أفعال الحرب أو الأفعال العدوانية وأفعال العنف أو التهديد بها من داخل أراضيه أو بواسطة قوات خاضعة لسيطرته أو مرابطة على أراضيه ضد السكان أو المواطنين أو الممتلكات الخاصة بالطرف الآخر ، كما يتعهد كل طرف بالامتناع عن التنظيم أو التحريض أو الإثارة أو المساعدة أو الإشتراك فى فعل من أفعال الحرب أو الأفعال العدوانية أو النشاط الهدام أو أفعال العنف الموجهة ضد الطرف الآخر فى أى مكان ، كما يتعهد بأن يكفل تقديم مرتكبى مثل هذه الأفعال للمحاكمة “.

وهو ما يخالف المادة الثانية من الدستور التى تنص على ما يلى :
” الإسلام دين الدولة ، واللغة العربية لغتها الرسمية ، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع “
حيث ان احكام الشريعة فى اغتصاب الوطن ، والدفاع عن المظلومين واضح وصريح بنصوص الايات . يقول الله تعالى فى كتابه الكريم :
§ )لا يَنْهَاكُمْ اللهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (9الممتحنة )
§ ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 191
§ ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ( النساء: من الآية 75

اذن هى مخالفة صريحة للنصوص الاسلامية المتعلقة بالمسألة مجال البحث .

الخلاصة :
§ يترتب على كل ما سبق ، بطلان اتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية لمخالفتها لاحكام الدستور المصرى .
§ ولقد سبق وان تناولنا بطلانها بموجب احكام القانون الدولى
§ وهو ما ينزع عنها اى مشروعية
§ وهو أمر ثابت ، لا يغيره تمسك السلطلة التنفيذية بها والاصرار على الالتزام باحكامها .
§ فمصدر الشرعية هو الدستور الذى يسمو على ما كل عداه من قوانين او اتفاقيات او سلطات .
§ حسنا وماذا بعد ؟
§ بقى ان نتوكل على الله ونجتهد لاسقاطها ، مسلحين فى ذلك باليقين فى ان الشرعية معنا .
§ و ليكون السؤال التالى هو : كيف الطريق الى التحرر من كامب ديفيد ؟
§ وهو موضوع حديث قادم ان شاء الله .

* * *
القاهرة فى 15 مارس 2009

يوم ترميم ما تعطل من الوجدان

Samedi 21 mars 2009

 

 

يوم ترميم ما تعطل من الوجدان

 

أبها- مريم الجابر:

 

    اليوم العالمي للشعر هو يوم لترميم ما تعطل من الوجدان، يوم تطلع فيه الشمس كبيرة تشع بضوء حقيقي يعتمل مع ما في الحياة من فتنة وسحر، ثم يعقبها في الليل قمر صاف يستعيد أمجاده التي طوحت بها معدنية العصر والعيون الجاسوسية للأقمار المزيفة.. وبين شمس هذا اليوم وقمره، سويعات موقعة بنبض القلوب المتناغمة مع ألق المجازات وروعتها… فتغدو القصيدة حالة يومية: تشرب قهوتها وهي تقرأ صحف الصباح، ثم تنتقل إلى الرصيف لنشرف على إشارات المرور أو إلى المطارات لكي تشيع الجنود إلى إجازاتهم، والمغتربين إلى أحبائهم تعالوا، إذن، نستدرج القصيدة إلى بيوتنا ومكاتبنا ، فقد نقوى على استعادة الحرارة إلى جثث صارت تتحرك بمراسيم، وتعالوا نتحد في قافية خضراء ونعدل ميثاقنا الرمزي، فالشعر شهد إذا استطاع النحل أن يحلق حرا طليقا فوق أزهار أيامنا.

فكم يلزمنا من وقت نعيد فيه للشعر حيويته عبر إنشاده وقراءته؟ كم من وقت يلزمنا لإعادة الشعر في مؤسساتنا التربوية؟ وأي مهر ندفعه للشعراء كي يعيدوا لنا هذا العشق الذي فقدناه ؟

يجيبنا على تساؤلاتنا نخبة من الشعراء والنقاد التي كانت آراؤهم كالتالي:

الدكتور عبدالله بن أحمد الفَيفي عضو مجلس الشورى، الأستاذ بجامعة الملك سعود يقول: في يوم الشِّعر العالمي لا أرى الشِّعر قد مات، ليوارَى الثرى، أو يحتاج منّا إلى نعيٍ أو عزاء. لكنه يتهدّده أمران: إرادة قتله؛ لأسباب أيديولوجيّة أو سياسيّة؛ لأن الشِّعر ثورةٌ إنسانيّة، وشَغَبٌ في وجه المسلّمات، وحجارةٌ تُلقى على الراكد في مياه النفس والمجتمع والحياة. ولهذا كان الصوت الشعريّ مريبًا مقلقًا عبر التاريخ كلّه، تقف دونه السُّلطات القيميّة على اختلافها.

ومن هذا المنطلق، فليس من فراغٍ أن يسعَى الساعون إلى إماتة الشِّعر، وتحييد الفنّ، لكي لا يهيّجا العواطف، فيُقضّا المضاجع. وإن لم يمكن قتل الشِّعر، باسم الرواية مثلاً، فليُصرف إلى هامشيّات الأغراض، وإلى سراديب العبث، وإلى الغموض الفارغ، واللا معقول، واللا لغة، واللا شيء- باسم الحداثة وتجلّياتها الما ورائيّة!- أو ليُسهم الوضوح والمباشرة في تضليل الوعي العامّ وتخدير الضمائر.

الأمر الآخر، الذي يوهم بأن الشِّعر غائب، هو قياس خاطئ بين الشِّعر والسرد. ذلك أن الشِّعر، لطبيعته المائزة، نخبويّ دائمًا، وفي كلّ اللغات. والقول بأننا في عصر الرواية بالنظر إلى نهر السرد المتدفّق، أو جمهور المتلقّين الهادر، فيه إغفال للفارق النوعيّ بين جنسَي الشِّعر والسرد. وهو فارق أزليّ، وليس وليد اليوم. لكنه ازداد بروزًا منذ أصبح السرد نثرًا ، بعد أن كان الأدب جُلّه شِعرًا: الملحمة، المسرح - بتراجيديّاته وكوميديّاته - الشِّعر التعليمي، والحِكمي، انطلاقًا من أقدم الملاحم المعروفة، كلكامش، مرورًا بالشِّعر الهوميري، وصولاً إلى شكسبير، وهلمّ جرّا. ثم خلُص الشِّعر في العصر الحديث غنائيًّا صِرفًا، كما هو طابع الشِّعر العربيّ الغالب منذ الجاهليّة. فانحصر جماهير الشِّعر؛ لأن قارئ الشِّعر لا بدّ أن يتوافر على أدوات لغويّة خاصّة، ومَلَكة ذوقيّة من نوعٍ عالٍ جدًّا، فيما قراءة الرواية - وإنْ كانت تجريبيّة البناء - سهلة نسبيًّا، لا تستدعي كبير علمٍ باللغة، ولا واسع معرفةٍ بالتراث، ولا ثاقب فكرٍ فيما وراء النصّ من إشارات. فضلاً عن كون السرد يخاطب شرائح المجتمع كافّة، ويلامس مداركها القريبة، ويناجي همومها العامّة. فمن الطبيعي، والحالة هذه، أن يكون قرّاء السرد أكثر من قرّاء الشِّعر. ومع هذا، فإن واقع الشِّعر العربي اليوم لا يدلّ بحال من الأحوال على صحّة القول بأننا في عصر الرواية لا عصر الشِّعر. ومَن ذا يصدّق ذلك، والأرض والفضاء يعجّان بالشِّعر والشعراء، مهما اختلفنا على مستواهما؟

ويضيف الدكتور الفيفي: أمّا المؤسّسات التربويّة، فلا شكّ أن اهتمامها بالشِّعر - الذي يستحقّ هذا الاسم - قد تراجع، لسببين، هما: انحباسها في مراحل شِعريّة عتيقة، يعلم الله وحده متى سيتمّ تخطّيها! ثم تركيزها على أنماط شعريّة، أقرب إلى النَّظْم، من أجل مضامينها التوجيهيّة، وإنْ قلّت قيمتها الفنّيّة. ولذلك فهي لا تربّي الذائقة الشعريّة الجيّدة، ولا تَبْرَأ اختياراتها الضعيفة من علاقةٍ بهجران الفصيح من الشِّعر إلى العامّي.

إن الشِّعر هو ديوان الضمير الإنساني الحيّ، وإكسير الحياة للغة القوميّة. والسعي في إماتته، أو التقصير في حقّه، يعنيان المساس العميق بشريان الضمير الجَمْعِيّ، والحصار المعيق للغة القوميّة، أو تحويلها إلى نبعٍ آليٍّ جافّ. وإذا حدث هذا في أمّةٍ ضعيفة الحضور حضاريًّا تفاقم الأثر؛ لأن ذلك سوف يعني تهيئتها لتكون تبعًا لغيرها من الأُمم: لغةً، وذوقًا، وشخصيّة أدبيّة، وهويّة ثقافيّة.

ويقول الدكتور محمد الصفراني: الشعر هذا الكائن المنعدم المثيل موجود في كل زمان ومكان وباق ما بقي على ظهر البسيطة إنسان لكننا نتوهم غيابه أو اختفاءه والسبب الرئيس في ذلك كثرة الغثاء في المشهد الشعري جعلت المتلقي يظن ويتوهم أن جذوة الشعر قد خبت وأن وهجه قد توارى هذا الإحساس يساورني كثيرا كلما طالعت ملحقا أدبيا في الصحف أو ديوانا شعريا تقذفه مطبعة أو يهديه إليك من يظنون أنفسهم شعراء، تعود للشعر حيويته عبر إنشاده وقراءته عندما يعود للشعر الشعراء الحقيقيون الصادقون مع مشاعرهم وأحاسيسهم ولغتهم وفنهم ويعود الشعر في مؤسساتنا التربوية عندما يصبح القائمون على وضع مناهج اللغة العربية والأدب أصحاب ملكات فنية راقية وليس أصحاب شهادات عندما يصل إلى مواقع وضع المناهج أصحاب الكفاءات والمواهب الشعرية الراقية سواء من داخل وزارة التربية والتعليم أو من خارجها يعود الشعر عندما تقف وزارة التربية والتعليم من الأشكال الشعرية كافة على مسافات متساوية فتعطي قصيدة التفعيلة المساحة نفسها التي تعطيها للقصيدة العمودية وعندما تكون مختارات المناهج على مستوى عال من الشاعرية بعيد عن مستوى بلاد العرب أوطاني..

ويشير الدكتور الصفراني: إلى إن المهر الحقيقي الذي ندفعه للشعراء كي يعيدوا لنا عشق الشعر الذي فقدناه يتمثل في تنقية المشهد الشعري من الأدعياء وكلفة هذا المهر تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية مقروءة ومسموعة وعلى الأندية الأدبية وعلى النقاد الذين يفترض فيهم البعد عن المجاملات الفنية وقول الحقيقة النقدية التي تنفع صاحبها ليجد مكانه الحقيقي خارج إطار الشعر.

أما الشاعر أحمد الملا يرى أن الإجابة عن شطريْ السؤال تكمن بتقديم الشطر الثاني قبل الأول، فإحياء الشعر في المؤسسة التربوية يساهم في تشكيل الوجدان الجمالي، في أجيالنا المتعلمة، وهم النهر الذي يعيد للمجتمع بهاءه ونضارته، ويمنع تصحره ويزيل ملوحته.

عندما يكون الشأن الثقافي (والشعر أحد أشجاره) شأنا حقيقيا في الحياة لا طارئا أو مكملا لها، يتساوى في جوهره مع أهمية الصحة والأمن من ناحية الرؤية التنظيمية للمؤسسة السياسية، يمكننا بعدها أن نترقب بزوغ الشعر ومختلف الفنون الثقافية من جديد، ومع الحال الراهن فمختلف مجالات الإبداع الثقافية لن تستعيد عافيتها الحقة قبل إعادة الاعتبار للثقافة بوصفها من الأوليات المؤسِسة لصناعة الإنسان المعاصر وليس ما يتجلى من رغبات (في أفضل وصف)، اما كم يلزمنا من وقت لعودة الشعر، فهو - حسب الراهن - لزوم ما لا يلزم.

ويضيف الشاعر الملا بقوله: كأن الحال مقلوب هنا فالشاعر وسائر المبدعين هم من دفع عن نفسه لينجو. الشعراء والمبدعون في مختلف الفنون الثقافية ينشدون الجمال وينتجونه، ليس مهرا ما يحتاجه الشاعر ليعيد للشعر مكانته، بل مجرد اعتراف وحق بأنه هنا والآن قيمة منجزة دون حاجة لأحد، ولنا في حالة الشاعر الجميل محمد الثبيتي شفاه الله- دليل على المهر الذي يتوجب على الشاعر / المبدع أن يدفعه ليعيش فقط.

ويبتكر الشاعر إبراهيم طالع الألمعي فكرة جديدة تخدم الشعر بهذا اليوم فيقول: نوعية الحياة الجديدة ، وقروية العالم ، وعلمنة المشاعر وتقانتها، وتحول الرقة والجمال إلى تقنيات ، وانصهار اللغة في لغات ، وطغيان الاقتصاد على الحاجات الشعورية الإنسانية، وتسييس العالم، وشدة تبرير الغايات وسائلها، كل هذه حولت الشاعرية إلى حالات ترفية فردية بدلا من كونها معبرة عن الشعور الإنساني الجمعي.

ولمواجهة ومؤازرة هذا التطور والتغير علينا إيجاد آليات معاصرة تجعل ظاهرة الشعر تتغير إيجابا مع الحياة، فلم تعد فكرة الأندية الأدبية التقليدية صالحة لتفعيل الأدب ، وعليه أقترح على وزارة الثقافة ما يلي: ما المانع أن يكون يوم الشعر عندنا تظاهرة شعرية تجمع الشعراء لتبادل التجارب في شكل مهرجان الشعر على مستوى البلد كله، ويدعى إليه أطياف من الشعراء عالميا ليتواصل شعرنا مع العالم دون تقوقع ثلة من الشعراء في مكانهم في عصر العولمة ؟

على أن تخرج وزارة الثقافة بديوان شعري سنوي ينتجه هذا المهرجان ويحوي درر ما أنتجته قرائح الشعراء في يوم الشعر.

هذا اقتراح وكلي ثقة أن بيروقراطية الوزارة لن تستطيع تجاوز ذاتها للتفعيل الإبداعي في إدارة الإبداع.. لكن طالما أنت فكرت في تفعيل الإبداع ، فعلي نقل هذا الاقتراح بواسطتك حتى لو لم تستطع وزارتنا استيعاب الفكرة.

وفي رأي الشاعر طلال الطويرقي لا أعتقد أننا فقدنا الشعر أو يمكن أن نفقده بأي شكل ولأي سبب ، أي فقد ونحن نعيش في عصر السرعة والتقنية والتطور والصدمات المتتالية لوعينا في عصر كهذا. أعتقد أن الإنسان يحتاج إلى الشعر كعاطفة في زمن بات لا يحفل بالعاطفة أبدا ولا لمكابدات الإنسان البسيط الذي يظل الشعر بالنسبة إليه مهربا سهلا وممكنا نحن كعرب اعتادت أسماعنا على الموسيقى والإيقاع ولا أخال - رغم ما في عصرنا من لوثة - أننا يمكن أن نكون بعيدين عن الشعر موسيقى وعاطفة.

لا أعتقد حقيقة أننا فقدنا الشعر أبدا رغم جنائزية قولك هذا وسيبقى الشعر مابقي النبض وما بقي الإنسان وما بقي الحلم. فهل يمكنك أن تعيشي بلا حلم في واقع كهذا؟؟ أعتقد أن سؤالا كهذا يكفي لقول كل ما أريد قوله بسهولة مطلقة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملحق “ثقافة اليوم”، جريدة الرياض، الخميس 22 ربيع الأول 1430هـ - 19 مارس2009م - العدد 14878، ص 21.

 

 magalatthagafiah@yahoo.com

 

 

 

 

أحزان القمر

Vendredi 20 mars 2009

أحزان القمر

ش. بودلير

 

 

ترجمة محمد الإحسايني

 

يحلم القمر بأكثر من تكاسل ٍ ،

هذا المساءْ،

كما تحلم ذات جمال،ٍ

تتقلب على الوسائد العديدة

بيد طائشة وخفيفة

تداعب قبل أن تنامْ

ا ستدارة نهديها،

علىظهرها المصقولِ

ركامات الجليد الرخوة

 تستسلم محتضرة

إلى نوبات غيبوبة طويلة

وتجيل عينيها حول الرؤى البيضاءْ

التي تتصاعد في اللا زورد، كما ،

تنبثق غصون الأزهار اليانعة

 

وعندما ينسج القمر أحياناً

خيط دمعة خفيّـة

في فتورها العاطلْ

يقبض شاعرتقيٌّ

عدوُّالسُّباتِ

تلك الدمعة الباهتة

في باطن يدهْ

إلى ظلال قزحيةٍ

كقطعة من جوهرة عين الهرِّ

فيضعها في قلبهِ

بعيداً عن أعين الشمسِِ