Archive pour la catégorie 'critique'

مفهوم الحب البوشكيني

Jeudi 30 avril 2009

مفهموم الحب البوشكيني المتجدد في قصيدتي منير مزيد ( قصيدة حب لفلسطين) و (كاهنة ناري المقدسة) بقلم: محمود فهمي عامر

قصائد الحب السلفية المرتكزة على جانب التحديق الجسدي التشخيصي في محبوبتها فلسطين كثيرة، وقليلة تلك القصائد البوشكينية المتأبطة شرا بشنفريتها اللغوية وتصلعكها الخيالي في قدسية عالمها الروحي الذي لا يخضع لقانون الأراضي والتقسيم التقليدي.

وهذه القصائد تحترم خصوصية المحبوبة في تطلعها الجديد إلى شاعر بطل يتجاوز المألوف الشعري المتوارث إلى أسلوب اللمس الخفي والخلق الذي اقترحه الشاعر منير مزيد في المقطعين الأول والثاني من( قصيدة حب لفلسطين )، أوتفقيس القصائد في المقطع الثاني من قصيدته (كاهنة ناري المقدسة):
(1)
كانت تلفنا الأحلام الإلهية
بثوب السكون
نقطف وردة الخلق
من مروج الجسد الملتهب
نرشف الرحيق المترف
من شفاه العنب
ونشرب نخب الحبّ
نخب الحياة….
* * *
شعور اللمس الخفي
وعرق الرغبة
يأخذنا إلى جزر الوجد
نرقص …. نغني ليل نهار
(2)
في الأيامِ الخافتةِ لا تفقص القصائد
ولا يومض هذا الوميض الأبدي
إلا حين تتألق الرؤية
تصعدُ إلى البقعة الطاهرة
محاطةً من كل جانب
بنارِ الحبّ الخالصة
وتذوب في متعة التأمل …

ومنير مزيد كما عرفته فنيا يحترم حاجة القصيدة المتجددة التي تسعى إلى هويتها الخاصة بملامح مبدعها الذي يحترم ماضيها الملتهب، ليقطف قصيدة صافية تتناسب مع عصرها الذهبي المتمرد على تقاليد القصيدة الكلاسيكية، والكلاسيكية هنا لا تعني شكل القصيدة العمودية ذات الشطرين، ولكنها كلاسيكية الأسلوب في التعامل مع القصيدة، بمعنى أن الشاعر قد يسير على درب غيره من الشعراء المعروفين مستسهلا خطهم السريع المعبد ببريق الإضاءة الشديدة، فترى سعاد الصباح في كثير من أجوائها الأسلوبية في طريق القباني، وترى ازدحاما شديدا في شوارع محمود درويش وأدونيس، والحديث كما يقولون ذو شجن يذكرني بلافتة في مسار أستاذي الدكتور رشدي حسن الذي أثق بذوقه النقدي قبل عشرين سنة، وفيها: عندما أقرأ قصيدة أستطيع التعرف إلى صاحبها، وإن لم تكن موسومة باسمه، والسؤال هل يستطيع المتذوق الآن التعرف إلى أسلوب أحمد مطر في ظل آلاف المطريين التقليديين؟
هذا ما حاولت القصيدة المزيدية أن تتجنب الوقوع فيه؛ لتشكل ذاتها العربية في طريقها الخاص الذي تصل خلاله إلى المحبوبة فلسطين بملامحها المعروفة، فيتحقق عندها رونق اللقاء، وتستطيع هذه المحبوبة التعرف إليه بصفاء في ظل فوضى القصائد التي في الغالب لا تصل إلى غايتها المقصودة.
ولا يعني ذلك أن لا يستفيد الشاعر من تجارب غيره، ففي ذلك نقص وقصور، بل كيف يستفيد الشاعر من التجارب الناجحة دون أن يتقمصها تقمصا يفقد خلالها هويته الشعرية، هو يقطف بصفاء ويفقص بوميض؛ ليتفوق على غيره بأسلوبه الفريد وإنتاجه المتجدد، وهذا ما جعلني في قراءة سابقة أن أقول: إن منير مزيد أعظم من بوشكين نفسه؛ لأنه لم يكن بوشكينيا بالمعني الحرفي للكلمة، ولكنه استحضر تجربته وألبسها ثوبه المزيدي وليس البوشكيني.
وهذا الحب البوشكيني الذي انتهج أسلوبا خاصا وصل إليه كثير من الشعراء المبدعين ممن ثاروا على تقاليد القصيدة؛ ليبدعوا خيالا جديدا ولغة فريدة تسري في خمرياتهم، ومدائحهم، وأندلسياتهم، ونازكية سيابهم، ومهجرياتهم…
وليس غريبا بعد ذلك أن يجد الحب البوشكيني الصافي بمواصفته الثائرة الكثير من الرفض في زمن تعميره الفني؛ لأن الرفض في حقيقته يعبر عن تميز المرفوض الذي سرعان ما يحمل دلالة مقدسة عند أكثر الناس رفضا له.
نعم هي سنة التجديد الصافي التي تؤمن بنظرية الضرورة أوالحاجة الإنسانية في ظل الذكرى والذكر، الذكرى المتمثلة بالمشهد أو الصورة والذكر بالكلمة المتجددة وخيالها الخصب، وهذه الحاجة الإنسانية هي سنة إلهية؛ فموسى عليه السلام كان الغالب على أهل عصره السحر فأيده الله بالعصا واليد البيضاء، وعيسى عليه السلام ظهر في زمن الأمراض وحاجة الناس إلى الطب فكانت معجزته أحياء الموتى، ونفخ الروح في الجمادات، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نصره الله بالقرآن في زمن الفصاحة والبلاغة.
ولا يعني هذا أن منير مزيد خلق جديد، ولكنه خلق متجدد ناضج وثائر، يؤمن بمفهموم الحاجة الإنسانية في قصيدته التي تحترم حاجة محبوبته المتجددة، فما كانت عليه فلسطين قبل ستين سنة لا يتناسب مع حاجتها الآن، ولكننا نرى قصائد كثيرة ما زالت تخاطب فلسطين بحاجة لا تحتاج إليها في وقتها الحالي.
ومقومات هذه الحاجة المزيدية في مفهوم حبه البوشكيني تعتمد على الماضي الناقص بحاضره للوصول إلى مستقبل القصيدة المتأثرة بالتجارب الشعرية الصافية، ولهذا ابتدأ (قصيدة حب لفلسطين) بالفعل الماضي الناقص (كانت)؛ ليعبر عن حسرته في إهمال الشعراء تلك التجارب الشعرية التي (تلفنا) بـ(الأحلام الإلهية)، فخرجت معها القصائد مطمئنة (بثوب السكون)، وهذا التعامل اللغوي الدقيق المتولد من (شعور اللمس الخفي وعرق الرغبة) هو الذي يعطي القصيدة المزيدية نكتها الخاصة خلال تواصلها مع محبوبته المقدسة التي خاطبها بـدلالتها الدينية حين افتتح قصيدته بـ:(حبيبتي.. يا كاهنة ناري المقدسة.. لا تقنطي من طول غربتي.. تهللي).
بهذه البدايات المكثفة يعلن منير مزيد ملامحه الصافية في علاقته مع محبوبته، وهي علاقة كما أشرت (تقطف ورد الخلق من مروج الجسد الملتهب.. ترشف الرحيق المترف من شفاه العنب)، وهي ذاتها في كاهنته النرجسية التي تحمل في سلتها أسرار السحر وأحلام الملائكة.
وبهذا الحب الصافي وبناره الخالصة ( تتألق الرؤية .. تصعد إلى البقعة الطاهرة) وعندها فقط (نشرب نخب الحب.. نخب الحياة) و (نرقص.. نغني ليل نهار) معلنين انتصار حبيبتنا فلسطين.

والقصيدة المزيدية في سبيل هذا الحب البوشكيني تتابع نظريتها بترفعها تارة عن ( رجم ريح تعوي وراء) ظلها، ولا تستمع (للصيحات الحادة)، وتقف تارة أخرى مقاتلة شرسة إذا دعتها حاجة المحبوبة إلى ذلك (حتما سأذبح هذا الموت المتغلغل في أحشاء الليل.. وأقتل هذا الجنون المتصاعد من آبار الوهن.. المختبئ في كهف الأحزان.. وأحرق هذا المصير الساخر من عجزنا).
هو حب ينتقل من (جزيرة الجحيم) إلى (جزيرة الوجد) ويحلق (طويلا مع أسراب الحوريات) لـ (يضيء درب الحالمين) و (يخاطب كل من يدعي حبيبته بإرث فاسد) بـ(صرخة عاشق ثائر)، وهو جزء أساسي في تحديد الذات الوجودية المعتمدة على الكيفية التي ينظر بها الآخر إلينا.
حب خالص لا يتنازل عن عرشه ولا يعاني عقدة أوديب وفوضى الكرنفال، ويتعامل مع المفردات بدلالتها المجازية وخيالها الشعري الدرامي، الذي لا يخرج صاحبها عن حدود الدين، فإن وجدت (لا يرانا أحد سوى الله) أو (يعلمني كيف أرسم وجه إله) فهو عشق صوفي لوجهه الكريم، ومن منا لا يرجو لذة النظر إلى وجهه سبحانه تعالى عما يصفون، وإن قرأت (حياتي لؤلؤة تتلألأ في عقد النبوءة) فكن كالمتنبي عندما قال: اسمي من النَبْوة بمعنى ما ارتفع من الأرض ولا ادعي النُّبُوة.
ولهذا تستحق القصيدة المزيدية صفة العالمية بصفاء تعاملها مع محبوبتها كما يحب مبدعها أن تكون، وبأجوائها البوشكينية المتجددة التي تسعى إلى هذه الغاية التي تخرج عن حدود الإقليمية أو المحلية بترجمة حبها وتوظيفه في كل مكان تستطيع الوصول إليه، حب استوعب من جهة كفتي (الميزان الجديد) لمحمد مندور الذي قال:(منذ عودتي من أوربا أخذت أفكر في الطريقة التي نستطيع بها أن ندخل الأدب العربي المعاصر في تيار الآداب العالمية)، وسار في جهته الثانية مع (الركب العالمي) في مفهوم محمد غنيمي هلال الذي قال: (عالمية الأدب معناها خروجه من نطاق اللغة التي كتب بها إلى أدب لغة أوآداب لغات أخرى) ، وهكذا وجدت منير مزيد يوفر على هؤلاء عناء الترجمة ليكتب بلغة عالمية تفوق في تأثيرها كل الترجمات.

محمود فهمي عامر
الدوحة – قطر
23-4-2009م

القصيدتان:

قصيدة حب لفلسطين

كانت تلفنا الأحلام الإلهية
بثوب السكون
نقطف وردة الخلق
من مروج الجسد الملتهب
نرشف الرحيق المترف
من شفاه العنب
ونشرب نخب الحبّ
نخب الحياة….

شعور اللمس الخفي
وعرق الرغبة
يأخذنا إلى جزر الوجد
نرقص …. نغني ليل نهار

أيقظنا عواء الجنون
الآتي من الظلام
فوضى الزمن الرديء
وخرائب هذا العصر
المتخم بغرائز الجشع
و البغضاء….

الأشجار واقفة حزينة
عارية
تموء بالعطش و الرغبة
والعشب ملَّ تخاريف البشر….
وفي الأعالي لا تزال النجوم تلمع
لا تدري شيئاً عن الإنسان الذي نسيها….

آه يا حبيبتي
الروح تبكي حرقة على رحيل النوارس
و القلب ثقيل ، بارد
و اليأس يجرجرك
ويجرجرنا إلى حافة السقوط….

حتماً
سأذبح هذا الموت المتغلغل في أحشاء الليل
و أقتل هذا الجنون المتصاعد من آبار الوهن
المختبئ في كهف الأحزان
و أحرق هذا المصير الساخر من عجزنا….

سآخذك من جزيرة الجحيم
إلى مكان لا يرانا أحد سوى الله
لن أستسلم إلى هذا المصير
وأعلن هزيمتي
أنت ربيع وشتاء تلك الجحيم
الضوء الوحيد الناعس على مخمل البحر ….

حبيبتي
أنت ألمي و بهجتي
أنت الليل حين ينثر أسراره
والنهار حين تغزل الشمس أكاليل الورد
أنت الرشد والجنون
أنت الشعر و كأسي….

حبك يزرعني
غابات من الفرح و الجنون
يعلمني كيف أرسم وجه إله
يغزل خيوط الشمس
ويرسمني طفلاً نزقاً
يلمس سقف النجوم ….

حبيبتي
العصافير لا تزال تغني على أغصان الغربة
وعطرك ما زال يعبق في أجواء الروح
تسكر سماوات الشعر و الأحلام….
والذكريات
أسراب من السنونو تعشعش في الأهداب….

حبيبتي
ورد الروح يذبل
مطر حزين يهطل في القلب
وصور الخوف تطاردني
تستوطن ذاتي
وتطبع صورة امرأةٍ عجوز
تفتش في قبور الحنين عن صباها المفقود….
عانقيني
أَتّكئ على جدار الشوق
أرى أشباح الحطمة
تلون رؤياي بألوان الألم
والوحدة تلتهمني
ترسل ظلاماً بارداً ليغزو خيالي…

عانقيني،
انزعي أشواك المرارة من صدري
لملمي شتات غربتي
انثريها في عينيك اللامعتين
واتركيني أنام في كف الحلم….
لم يبق لي غير هذا الدفء
و نزوعا نحو الخرافة….

كاهنة ناري المقدسة

حبيبتي
يا كاهنة ناري المقدسة
لا تقنطي من طول غربتي
تهللي..!
ما جئتُ إلا عرافاً و قديساً للشعرِ
أَحْملُ في سلتِي أسرارَ السحرِ
و أحلامَ الملائكةِ الفضوليين
أترفعُ عن رجمِ ريحٍ زانيةٍ
تعوي وراء ظلي
ولا أَستمعُ للصيحات الحادة
أحلقُ طويلاً مع أسراب الحوريات .. ..

أيتها الريح التي لا تجيدُ غير العواء
في الأيامِ الخافتةِ لا تفقصُ القصائد
ولا يومضُ هذا الوميض الأبدي
إلا عندما تتألقُ الرؤية
تصعدُ إلى البقعةِ الطاهرةِ
محاطةً من كل جانب
بنارِ الحبّ الخالصة
وتذوبُ في متعةِ التأملِ .. ..

أيتها الريح الزانية
لأجلي أنا تتفجرٌ ينابيعُ الشعرِ
انظري إليَّ إني أتحولُ إلى فضاءٍ لامعٍ
يضيءُ دربَ الحالمين .. ..

حبيبتي
يا كاهنة ناري المقدسة
لا تقنطي من طول غربتي
تهللي..!
حياتي لؤلؤةٌ تتلألأُ في عقدِ النبوءةِ
و الصمتُ السحري يلمسُ كلماتِي
و قوسُ قزح يمدُّ إليَّ يدَهْ
ينثرُ كنـزَ أحلامِه في سمائِي..

حبيبتي
أنا خاتمُ العاشقين
و آخر ُ أسطورةٍ غجريةٍ أثخنتها الغربةُ
أمضي إلى البحرِ الوحيدِ و السماءِ
بعدما عجزت الأرضُ عن إيوائي.. ..

أبحثُ عن من يشاركني أوجاعَ التشردِ
من يشاركني نعمةَ الهذيان
أَعْبرُ كل الشواطئ المغمغةِ
المخدرةِ بأنفاس السماء الثملة
حيث ترتجفُ كل الأساطير فوق الظلال
تشربُ طينَ المعرفةِ.. ..

أيها البحر الوفي
دعني أشقُ طريقاً فيك للسماء
أو أمشي على مياهك
أنا ، أيها البحر
لم أكن أبداً إلا صرخة عاشقٍ
ثائر
يحلم بالمشي على سقف الكون
ليرى العماء الأول الذي سبق الوجود.. ..